السيد كمال الحيدري
58
دروس في علم الإمام
الكتاب المبين : حم * وَالْكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الزخرف : 1 - 3 ، فإنّه ظاهر في أنّ هناك كتاباً مبيناً عَرَض عليه جعْله مقروّاً عربيّاً ، وإنّما أُلبس لباس القراءة والعربيّة ليعقله الناس ، وإلّا فإنّه - وهو في أُمّ الكتاب ، والكتاب المكنون ، واللّوح المحفوظ - عند الله ، عليٌّ لا يصعد إليه العقول ، حكيمٌ لا يوجد فيه فصل . وفي الآية تعريف للكتاب المبين وأنّه أصل القرآن العربي المبين . قاعدة منهجيّة قبل الخوض في بيان حقيقة الكتاب المبين الذي يعدّ المرتبة العالية من القرآن الذي بأيدينا ، لابدّ من الإشارة إلى قاعدة منهجيّة في المقام ، حاصلها : إنّ المفاهيم التي استعملها القرآن الكريم - كالكتاب والعرش والكرسي واللّوح والقلم وغيرها - يمكن أن تكون مختلفة المصاديق من حيث التجرّد والمادّية ، بمعنى أنّ المفهوم وإن كان واحداً إلّا أنّ المصاديق يمكن أن تتنوّع لتشمل - بالإضافة إلى المصداق المتداول في حياتنا الحسّية - مصاديق أخرى فوق العالم المشهود ، بنحو يكون الاستعمال فيها جميعاً حقيقيّاً . قال صدر الدِّين الشيرازي : « اعلم أنّ أكثر الألفاظ الواردة في الكتاب الإلهي كسائر الألفاظ الموضوعة للحقائق الكلّية ، يُطلق تارةً ويُراد به الظاهر المحسوس ، ويُطلق تارةً ويُراد به سرّه وحقيقته وباطنه ، وتارةً يُطلق ويُراد به سرّ سرّه وحقيقة حقيقته وباطن باطنه ؛ وذلك لأنّ أصول العوالم والنشآت ثلاثة : الدُّنيا ، والآخرة ، وعالم الإلهيّة ، وكلّها متطابقة ، وكلّ ما يوجد في أحد من هذه العوالم يوجد في الأخيرين على وجه يناسب كلّ موجود لما في عالمه الخاصّ به » « 1 » . وقال الفيض الكاشاني في المقدّمة الرابعة من مقدّمات تفسيره : « إنّ لكلّ
--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألّهين الشيرازي ، حقّقه وضبطه وعلّق عليه الشيخ محمّد جعفر شمس الدِّين ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت 1998 : ج 8 ، ص 68 . .